محمد جمال الدين القاسمي
257
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بما نسخه اللّه ، مما ألقاه الشيطان . ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه اللّه مطلقا ، حتى يقول هذه الآية محكمة ليست منسوخة ، ويجعل المنسوخ ليس محكما ، وإن كان اللّه أنزله أوّلا اتباعا للظاهر من قوله : فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ . فهذه ثلاثة معان تقابل المحكم ، ينبغي التفطن لها . وجماع ذلك أن الإحكام تارة يكون في التنزيل . فيكون في مقابلته ما يلقيه الشيطان . فالمحكم المنزل من عند اللّه أحكمه اللّه أي فصله من الاشتباه بغيره ، وفصل منه ما ليس منه ، فإن الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه ، ولهذا دخل فيه معنى المنع ، كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه ، لا جميع معناه ، وتارة يكون في إبقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذي هو رفع ما شرع ، وهو اصطلاحيّ . أو يقال ( وهو أشبه ) : السلف كانوا يسمون كل رفع نسخا ، سواء كان رفع حكم ، أو رفع دلالة ظاهرة ، فكل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح ، كتخصيص العام ، وتقييد المطلق ، فهو منسوخ في اصطلاح السلف . وإلقاء الشيطان في أمنيته قد يكون في نفس لفظ المبلّغ ، وقد يكون في مسمع المبلّغ ، وقد يكون في فهمه ، كما قال : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [ الرعد : 17 ] . ومعلوم أن من سمع ، سمع النص الذي قد رفع حكمه ، أو دلالة له ، فإنه يلقى الشيطان في تلك التلاوة اتباع ذلك المنسوخ ، فيحكم اللّه آياته بالناسخ الذي به رفع الحكم ، وبان المراد . وعلى هذا التقدير ، فيصح أن يقال : المتشابه والمنسوخ . بهذا الاعتبار . واللّه أعلم . وتارة يكون الإحكام في التأويل والمعنى ، وهو تمييز الحقيقة المقصودة من غيرها ، حتى لا تشتبه بغيرها . وفي مقابلة المحكمات الآيات المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه هذا . فتكون محتملة للمعنيين ، ولم يقل في المتشابه ( لا يعلم تفسيره ومعناه إلا اللّه ) ، وإنما قال : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع . فإن اللّه أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو . والوقف هنا . على ما دل عليه أدلة كثيرة ، وعليه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وجمهور التابعين ، وجماهير الأمة . ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره ، بل قال : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ ص : 29 ] . وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات . وما لا يعقل له معنى لا يتدبر ، وقال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ * [ النساء : 82 ] . ولم يستثن شيئا منه نهى عن تدبره . واللّه ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره اللّه